ابن الجوزي
287
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
قال : ودخله المأمون ومعه المعتصم ويحيى بن أكثم ، فقال المأمون : أي شيء يعجبكم من هذا المسجد ؟ فقال المعتصم : ذهبه فإنا نصنعه [ 1 ] فلا تمضى عشرون سنة حتى يتحول [ 2 ] ، وهذا بحاله كأن الصانع قد فرغ منه الآن ، فقال : ما أعجبني هذا ، فقال يحيى بن أكثم : الَّذي أعجبك يا أمير المؤمنين تأليف رخامه [ 3 ] فإن فيه عقودا ما يرى مثلها ، قال : كلا ، بل أعجبني أنه شيء على غير مثال شوهد . قال : وأمر الوليد أن يسقف بالرصاص ، فطلب من كل البلاد ، وبقيت قطعة لم يوجد لها رصاص إلا عند امرأة ، فأبت أن تبيعه إلا بوزنه ذهبا ، فقال : اشتروه منها ولو بوزنه مرتين ، ففعلوا ووزنوا مثله ، فلما قبضته قالت : إني ظننت من صاحبكم أنه يظلم الناس في بنائه فلما رأيت إنصافه رددت الثمن . فلما بلغ ذلك الوليد أمر أن يكتب على صفائح المرأة للَّه ، ولم يدخله فيما عمله ، وفيما كتب عليه اسمه . قال محمد بن عبد الملك : وقد قيل إنه أنفق عليه خراج الدنيا ثلاث مرات ، وأنه بلغ ثمن البقل الَّذي أكله الصناع / فيه ستة آلاف دينار ، وكان فيه ستمائة سلسلة ذهب ، فلم يقدر أحد أن يصلي فيه لعظم شعاعها فدخِّنت . وعمل هذا الجامع في تسع سنين . قال : وقال موسى بن حماد البربري : رأيت في مسجد دمشق كتابا بالذهب في الزجاج محفورا عليه سورة ألهاكم التكاثر إلى آخرها ، ورأيت جوهرة حمراء ملصقة في قاف المقابر ، فسألت عن ذلك ، فقيل لي : كان للوليد ابنة ولها هذه الجوهرة ، وكانت ابنة نفيسة فماتت ، فأمرت أمها أن تدفن هذه الجوهرة معها في قبرها ، فأمر الوليد بها فصيرت في قاف المقابر من ألهاكم التكاثر ، ثم حلف لأمها أنه قد أودعها في المقابر فسكتت . وفي هذه السنة حبس الوليد المجذّمين أن يخرجوا على الناس ، وأجرى عليهم أرزاقا .
--> [ 1 ] في الأصل : « نهيئه » وما أوردناه من ت . [ 2 ] في الأصل : « سنة إلا حتى يتحول » وما أوردناه من ت . [ 3 ] في الأصل : « زخارفه » وما أوردناه من ت .